فصل: خلافة أبي العباس أحمد المعتضد بالله:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ أبي الفداء (نسخة منقحة)



.خلافة أبي العباس أحمد المعتضد بالله:

وهو سادس عشرهم، وفي صبيحة الليلة التي مات فيها المعتمد، بويع لأبي العباس أحمد المعتضد بالله بن الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل. وفي هذه السنة توفي نصر بن أحمد الساماني، فقام بما كان إليه من العمل بما وراء النهر، أخوه إسماعيل ابن احمد بن أسد بن سامان.
وفي هذه السنة قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص من مصر بهدايا عظيمة، من خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر، بسبب تزويج المعتضد بنت خمارويه.
وفيها توفي أبو عيسى محمد بن عيسى بن سودة الترمذي السلمي، بترمذ، في رجب، وكان إماماً حافظاً له تصانيف حسنة، منها الجامع الكبير في الحديث، وكان ضريراً، وهو عن أئمة الحديث المشهورين، الذين يقتدى بهم في علم الحديث، وهو تلميذ محمد بن إسماعيل البخاري، وشاركه في بعض شيوخه، مثل قتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر.
ثم دخلت سنة ثمانين ومائتين:
فيها توفي جعفر بن المعتمد وهو الذي كان لقبه المفوض، وخلعه أبوه وولى المعتضد على ما ذكرنا.
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين:
فيها سار المعتضد إلى ماردين، فهرب صاحبها حمدان، وخلى ابنه بها، فقابله المعتضد، فسلمها إليه. وفيها دخل طغج بن جف وكان عاملاً على دمشق، من طرسوس إلى بلاد الروم، من قبل خمارويه، وفتح وسبى. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن أبي عبد الله بن أبي الدنيا، صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة.
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائتين:
النيروز المعتضدي فيها أمر المعتضد بافتتاح الخراج في النيروز المعتضدي، للرفق بالناس، وهو في حزيران من شهور الروم، عند كون الشمس في أواخر الجوزاء.
قتل خمارويه في هذه السنة، قتل خمارويه بن أحمد بن طولون، ذبحه بعض خدمه على فراشه، في ذي الحجة بدمشق، وكان سببه أنه نقل إلى خمارويه، أن جواريه قد أخذت كل واحدة منهن خصياً، وجعلته لها كالزوج، وقصد خمارويه تقرير بعض الجواري على ذلك، فاجتمع جماعة من الخدم، واتفقوا على قتله، ثم قتل من خدمه الذين اتهموا بذلك، نيفاً وعشرين نفساً.
ولما مات خمارويه، بايع قواده جيش بن خمارويه، وكان صبياً، وفيها توفي أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري، صاحب كتاب النبات. وفيها توفي الحارث ابن أبي أسامة، وله مسند. وفيها توفي أبو العيناء محمد بن القاسم، وكان روى عن الأصمعي، وكان ضريراً صاحب نوادر وأشعار، وكان من ظرفاء الناس، وفيه من سرعة الجواب والذكاء ما لم يكن في أحد، وولد في سنة إحدى وتسعين ومائتين، وكف بصره وقد بلغ أربعين سنة، ولقب بأبي العيناء، لأنه قال: لأبي زيد الأنصاري كيف تصغر عيناً؟ فقال عييناً يا أبا العيناء فبقي عليه لقباً، وكان قد ذكر للمتوكل للمنادمة، فقال المتوكل: لولا أنه ضرير لصلح لذلك، وبلغ ذلك أبا العيناء فقال: إن أعفاني من رؤية الأهلة، فإني أصلح للمنادمة.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين:
في هذه السنة، خلع طغج بن جف أمير دمشق، جيش بن خمارويه بدمشق واختلف جند جيش عليه، لصباه وتقريبه الأرذال، وتهديده لقواد أبيه، فثاروا به فقتلوه ونهبوا داره، ونهبوا مصر وأحرقوها، وأقعدوا أخاه هارون بن خمارويه في الولاية، وكانت ولاية جيش بن خمارويه تسعة أشهر.
وفي هذه السنة مات البحتري الشاعر، واسمه الوليد بن عبادة، بمنبج أو بحلب، وكان مولده سنة ست ومائتين، وفيها توفي علي بن العباس المعروف بابن الرومي الشاعر، وفيها أمر المعتضد أن يكتب إلى الأقطار، برد الفاضل من سهام المواريث، على ذوي الأرحام، وإبطال ديوان المواريث. من تاريخ القاضي شهاب الدين بن أبي الدم، قال: وفيها أمر بكتبة الطعن، في معاوية وابنه وأبيه، وإباحة لعنهم، وكان من جملة ما كتب في ذلك: بعد الحمد لله والصلاة على نبيه، وأنه لما بعثه الله رسولاً، كان أشد الناس في مخالفته بنو أمية، وأعظمهم في ذلك أبو سفيان ابن حرب، وشيعته من بني أمية، قال الله تعالى في كتابه العزيز: {والشجرة الملعونة} [الإسراء: 60] اتفق المفسرون أنه أراد بها بني أمية. ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا سفيان مقبلاً ومعاوية يقوده، ويزيد أخو معاوية يسوق به، فقال: «لعن الله القائد والراكب والسائق» وقد روى أن أبا سفيان قال: يا بني عبد مناف، تلقفوها تلقف الكرة، فما هناك جنّة ولا نار. وطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم معاوية ليكتب بين يديه، فتأخر عنه، واعتذر بطعامه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أشبع الله بطنه» فبقي لا يشبع، وكان يقول: والله ما أترك الطعام شبعاً وإنما أتركه إعياء. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»، وأطال في ذلك، وأمر أن يقال ذلك في البلاد، ولعن معاوية على المنابر، فقيل له: إنّ في ذلك استطالة للعلويين، وهم في كل وقت يخرجون على السلطان ويحصل به الفتن بين الناس، فأمسك عن ذلك.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين:
في هذه السنة أخبر المنجمون الناس بغرق أكثر الأقاليم، وأن ذلك يكون بسبب كثرة الأمطار، وزيادة الأنهار، فتحفظ الناس، فقلت الأمطار، وغارت المياه، حتى استسقوا ببغداد مرات.
وفيها اختل حال هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون بمصر، واختلف القواد عليه، وانحل نظام مملكته، وكان على دمشق من جهته طغج بن جف. وفيها توفي إسحاق بن موسى الإسفراييني الفقيه الشافعي.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائتين:
في هذه السنة سار المعتضد إلى آمد، فافتتحها بالأمان، وكان صاحبها محمد بن أحمد بن عيسى بن الشيخ، ثم سار المعتضد إلى فنسرين، فتسلمها وتسلم العواصم، من نواب هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر، وكان هارون قد سأل المعتضد في أن يتسلم هذه البلاد منه. وفيها توفي إبراهيم بن إسحاق، وهو من أعيان المحدثين ببغداد.
ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائتين:
في هذه السنة ظهر رجل من القرامطة بالبحرين، يعرف بأبي سعيد الجنابي، وكثر جمعه، وقتل جماعة بالقطيف، وبتلك القرى. وفيها توفي المبرد، وهو أبو العباس محمد بن عبد الله بن زيد، وكان إماماً في النحو واللغة، وله التصانيف المشهورة، منها: كتاب الكامل، والروضة، والمقتضب، وغير ذلك، أخذ العلم عن أبي عثمان المازني وغيره، وأخذ عنه نفطويه وغيره، وولد سنة سبع ومائتين، والمبرد لقب غلب عليه، قيل: إنه كان عند بعض أصحابه، وأن صاحب الشرطة طلبه للمنادمة، فكره المبرد المسير إليه، وألح الرسول في طلبه، وكان هناك مزملة لتبريد الماء فارغة، فدخل المبرد واختفى في غلاف تلك المزملة، ودخل رسول صاحب الشرطة في تلك الدار، وفتش على المبرد فلم يجده، فلما تركه ومضى، جعل صاحب الدار وكان يقال له أبو حاتم السجستاني، يصفق وينادي على المزملة: المبرد المبرد، وتسامع الناس بذلك، فلهجوا به، وصار لقباً على أبي العباس المذكور.
ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائتين:
في هذه السنة استولى إسماعيل بن أحمد السلماني، صاحب ما وراء النهر على خراسان، بعد قتال، وأسر أمير خراسان، وهو عمرو بن الليث الصفار، ثم أرسله إلى المعتضد ببغداد، فحبس عمرو بها، ولم يزل محبوساً حتى قُتل سنة تسع وثمانين ومائتين في الحبس. وفي هذه السنة سار محمد بن زيد العلوي صاحب طبرستان إلى خراسان، لما بلغه أسر الصفار، ليستولي عليها، فجرى بينه وبين عسكر إسماعيل الساماني قتال شديد، ثم انهزم عسكر العلوي، وجرح جراحات عديدة، ثم مات محمد بن زيد العلوي صاحب طبرستان المذكور من تلك الجراحات، بعد أيام، وأسر ابنه زيد في الوقعة، وحمل إلى إسماعيل الساماني، فأكرمه ووسع عليه، وكانَ محمد بن زيد أديباً فاضلاً شاعراً، حسن السيرة، رحمه الله تعالى، ثم قام بعده بالأمر الناصر للحق، الحسن بن علي، وكان يعرف بالأطروش، وتوفي الناصر في سنة أربع وثلاثمائة على ما سنذكره إن ساء الله تعالى. وفيها مات علي بن عبد العزيز البغوي بمكة.
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين. ودخلت سنة تسع وثمانين ومائتين:
في هذه السنة كانت حروب بالشام بين طغج بن جف أمير دمشق وبين القرامطة.
وفاة المعتضد:
في هذه السنة، لثمان بقين من ربيع الآخر، توفي أبو العباس أحمد المعتضد ابن طلحة الموفق بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، ودفن ليلا في دار محمد بن طاهر، وكان مولده في ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين ومائتين. وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوماً، وخلف من الذكور علياً، وهو المكتفي، وجعفر، أو هو المقتدر، وهارون، وخلف، إحدى عشرة بنتاً، ولما حضرت المعتضد الوفاة، أنشد أبياتاً منها:
ولا تأمنن الدهَر إني أمنته ** فلم يبق لي خلا ولم يرع لي حقا

قتلت صناديدَ الرجال ولم أدع ** عدواً ولم أمهل على طغيه خلقا

وأخليت دار الملك من كل نازع ** فشردتهم غرباً ومزّقتهم شرقا

فلما بلغت النجمٍ عزاً ورفعة ** وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا

رماني الردى سهما فأَخمد جمرتي ** فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ألقى

وكان المعتضد شهماً مهيباً عند أصحابه، يتقون سطوته، ويكفون عن المظالم خوفاً منه، وكان فيه الشح، وكان عفيفاً، حكى القاضي ابن إسحاق قال: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداثٌ رومٌ صباح الوجوه، فأطلت النظر إليهم، فلما قمت، أمرني بالقعود، فجلست، فلما تفرق الناس قال: يا قاضي، والله ما حللت سراويلي على حرام قط.

.خلافة المكتفي بالله:

وهو سابع عشرهم، لما توفي المعتضد، بايع الناس ابنه المكتفي، وكان بالرقة فكتب الوزير إليه بوفاة المعتضد، وأخذ البيعة له، ولما وصله الخبر، أخذ البيعة على من عنده أيضاً، وسار إلى بغداد، فدخلها لثمان خلون من جمادى الأولى.
وفي هذه السنة توفي إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن الأغلب، صاحب إفريقية كما تقدم ذكره في سنة إحدى وستين ومائتين، وملك بعده ابنه عبد الله بن إبراهيم، ثم قتل عبد الله آخر شعبان، في سنة تسعين ومائتين، على ما سنذكر إن شاء الله تعالى. وكان سكنى عبد الله وقتله بمدينة تونس، وكان كثير العدل حسن السيرة.
ثم دخلت سنة تسعين ومائتين:
في هذه السنة اشتدت شوكة القرامطة، حتى حصروا دمشق، بعد أن هزموا جيش أميرها طغج ين جف، ثم اجتمعت عليهم العساكر وقتلوا مقدمهم يحيى المعروف بالشيخ، ولما قتل مقدم القرامطة يحيى المذكور، قام فيهم أخوه الحسين، وتسمى بأحمد، وأظهر شامة في وجهه، وزعم أنها آيته، وكثر جمعه، فصالحه أهل دمشق على مال دفعوه إليه، فانصرف عنهم إلى حمص، فغلب عليها، وخطب له على منابرها، وتسمى بالمهدي أمير المؤمنين، وعهد إلى ابن عمه عبد الله، ولقبه المدثر، وزعم أنه المدثر الذي في القرآن، ثم سار إلى حماة والمعرة وغيرهما، فقتل أهلها، حتى قتل الأطفال والنساء، وسار إلى سلمية، فأخذها بالأمان، ثم قتل أهلها حتى صبيان المكتب، ولما اشتد أمر القرمطي صاحب الشامة المذكور، خرج المكتفي من بغداد، ونزل الرقة، وأرسل إليه الجيوش.
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين:
في هذه السنة واقعت عساكر الخليفة صاحب الشامة القرمطي، وأصحابه، بمكان بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا، لست خلون من المحرم، فانهزمت القرامطة، وتبعهم العسكر يقتلونهم، وهرب صاحب الشامة ومعه ابن عمه المدثر، وغلام له رومي، فأمسكوا في البرية، وأحضروا إلى المكتفي، وهو بالرقة، فسار بهم إلى بغداد وقتلهم، وطيف برأس صاحب الشامة. ومن كتاب الشريف العابد أنّ المكان الذي كان فيه الوقعة المذكورة هو تمنع أقول: وهي قرية من بلاد المعرة، على الطريق الآخذة من حماة إلى حلب، وفيها توفي ببغداد أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد، المعروف بثعلب، كان إمام الكوفيين في النحو واللغة، ثقة حجة، صالحاً، وولد في أول سنة مائتين.
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائتين:
استيلاء المكتفي على الشام ومصر وانقراض ملك بني طولون:
في هذه السنة، بعث المكتفي جيشاً مع محمد بن سليمان، فاستولى على دمشق، وسار حتى دنا من مصر، وصاحبها هارون بن خمارويه، ففارقه غالب قواده، ولحقوا بعسكر الخليفة، وخرج هارون فيمن بقي معه، وجرى بينه وبين محمد بن سليمان وقعات، ثم وقع في عسكر هارون خصومة، وأدت إلى قتال، فركب هارون ليُسكن الفتنة، فزرقه بعض المغاربة بمزراق فقتله، ولما قتل هارون قام عمه شيبان بالأمر، ثم طلب الأمان من محمد بن سليمان فأمنه، ثم هرب شيبان تحت الليل، فلم يوجد، واستولى محمد بن سليمان على مصر، وأمسك بني طولون، وكانوا بضعة عشر رجلاً، واستصفى ما لهم وقيدهم وحملهم إلى بغداد، وكتب إلى المكتفي بالفتح، وكان ذلك في صفر من هذه السنة.
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين:
أخبار القرامطة:
في هذه السنة بعد استيلاء عسكر الخليفة على مصر، وتوجه محمد بن سليمان عنها، خرج ببلاد مصر خارجي يدعى الخلنجي، وقويت شوكته، فسار إليه عامل دمشق، أحمد بن كيغلغ، وطمعت القرامطة في دمشق، بحكم غيبة عاملها، وقصدوها، فهبوا وقتلوا ونهبوا طبرية، ثم ساروا إلى جهة الكوفة، فسير المكتفي إليهم عسكراً مع قواده المختصين به، مثل رصيف بن صوار تكين التركي، والفضل ابن موسى بن بغا، وبشر الخادم الأفشيني، ورايق الجزري، فاقتتلوا، وتمت الهزيمة على عسكر الخليفة، فقتل منهم خلق كثير، وغنمت القرامطة منهم شيئاً كثيراً فتقووا به.
وفي هذه السنة توفي عبد الله بن محمد الناشئ الشاعر ونصر بن أحمد الحافظ. وفيها توفي أحمد الزنديق بن يحيى بن إسحاق، المعروف بابن الراوندي المتكلم، صنف عدة كتب في الكفر والإلحاد، ومناقضة الشريعة، منها قضيب الذهب، وكتاب اللامع، وكتاب الفرند، وكتاب الزمردة، وغير ذلك وقد أجاب العلماء عن كل ما قاله من معارضة القرآن العظيم، وغيره من كفرياته، وبينوا وجه فساد ذلك بالحجج البالغة، فمن قوله لعنه الله، في كتاب الزمردة: إنّا نجد في كلام أكثم بن صيفي، ما هو أحسن من قوله: {إنا أعطيناك الكوثر} وقال: إن الأنبياء وقعوا طلسمات، جذبوا بها دواعي الخلق، كما يجذب المغناطيس الحديد، ووضع كتاباً لليهود وللنصارى، يتضمن مناقضة دين الإسلام، وقال لليهود: قولا عن موسى ابن عمران أنه قال لا نبي بعدي، وقال في كتاب الفرند: إن المسلمين احتجوا لنبوة نبيهم بالقرآن، الذي تحدى به النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تقدر العرب على معارضته، فيقال لهم: أخبرونا لو ادعى مُدع لمن تقدم من الفلاسفة، مثل دعواكم في القرآن فقال: الدليل على صدق بطليموس وإقليدس، أن إقليدس ادعى أن الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه، كانت نبوته تثبت. وقال: قوله تعالى: {إن كيد الشيطان كان ضعيفاً} أي ضعف به، وقد أخرج آدم من الجنة، وله من هذا شيء كثير، أضربنا عن ذكره. وكان موته، لعنه الله، برحبة مالك بن طوق، وذكر أن عمره كان ستاً وثلاثين سنة، هكذا وجدت أخباره وتاريخ وفاته، في تاريخ القاضي شهاب الدين بن أبي الدم الحموي، وقد وجدته في تاريخ القاضي شمس الدين بن خلكان، أن وفاته كانت في سنة خمس وأربعين ومائتين، وقيل في سنة خمسين ومائتين، والله أعلم بالصواب.
ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين:
في هذه السنة أخذت القرامطة الحجاج من طريق العراق، وقتلوهم عن آخرهم، وكانت عدة القتلى عشرين ألفاً، وأخذوا منهم أموالاً عظيمة، وكان كبير القرامطة ذكرويه، فجهز المكتفي إليهم عسكراً، واقتتلوا، فانهزمت القرامطة، وقتل منهم خلق كثير، وأسر ذكرويه الملعون مجروحاً، فبقي ستة أيام ومات، وقدم العسكر برأسه إلى بغداد وطيف به.
وفي هذه السنة توفي محمد بن نصر المروزي بسمرقند، وله تصانيف كثيرة.
ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين:
في هذه السنة في صفر توفي إسماعيل بن أحمد بن أسد السماني، صاحب ما وراء النهر وخراسان، وولي بعده ابنه أبو نصر أحمد بن إسماعيل وأرسل له المكتفي التقليد.
وفاة المكتفي في هذه السنة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، توفي المكتفي بالله أبو محمد علي بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق بالله أبي أحمد طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن هارون الرشيد، وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوماً، وكان عمره ثلاثاً وثلاثين سنة، وكان ربعة جميلا، رقيق السمرة، حسن الوجه، والشعر، وافر اللحية، وأمه أم ولد تركية تدعى حجك، وطالت مرضته عدة شهور، ودفن في دار محمد بن طاهر.